عبد الكريم الخطيب

439

التفسير القرآنى للقرآن

فما تأويل قوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . ؟ » والجواب : أن المؤمن باللّه ، المتقى لحرماته ، هو أكثر الناس غنى في قلبه ، وقناعة في نفسه ، ورضى بقدره . . . فالقليل في يد المؤمن التقىّ هو كثير مبارك فيه ، يسدّ حاجته ، ويجلّى عن نفسه هموم الدنيا ، ويقيمه على رضى دائم ، واطمئنان متصل ، وسلام مقيم مع نفسه ، ومع الناس ، ومع الوجود كله . . وهذا هو السرّ في وصف الرزق المنزل من السماء ، والنابت من الأرض - بالبركة . . فهو رزق ممسوس بنفحات البركة التي تجعل القليل كثيرا ، ينمو على الإنفاق ، كما تنمو النبتة المباركة في الأرض الطيبة . فالمجتمع المؤمن التقىّ ، مجتمع مثالىّ في حياته ، وما يرفّ عليها من أرواح السلام ، والأمن ، والاستقرار ، حيث لا ظلم ، ولا بغى ، ولا عدوان ، وحيث الناس إخوان على طريق اللّه ، وعلى التناصح والتواصي بالحق والخير . . فأي بركة أعظم من تلك البركة ؛ وأي حياة أطيب وأكرم من هذه الحياة ، التي يجتمع فيها الإنسان إلى الإنسان ، بقلب سليم ، ونفس مطمئنة ، لا يحمل لأحد شرا ، ولا يتربص له أحد بسوء ؟ وفي هذا يقول الشاعر العربي : لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها * ولكن أخلاق الرجال تضيق فحيث كان الإيمان والتّقى ، كان الإخاء ، والأمن والسلام ، والعافية . . قوله تعالى : « أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ » .